أحمد بن محمد ابن عربشاه

204

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

إلى المعارف الإلهية وما به نظام المعاش ونجاة المعاد . وليس لنا دليل في العلم والتعريف سوى طريقتين مرشدتين إلى التوقيف على أمور المبدأ والمعاد وما بينهما في دار التكليف إحداهما : ما جبلنا عليه وما اكتسبناه من العقل . وثانيتهما : ما بلغنا من الأخبار الصحيحة والنقل . فالعقل : لا يدخل في إثبات المعارف الإلهية ، ولا في هذا الباب المقدم من الأمور المعاشية والمعادية ، وهو حجة الله القاطعة البالغة وأصل براهينه الساطعة الدامغة ، وبواسطته استعبد عباده الكملة ، وإلى من خصه به أرسل رسله . ثم العقل جوّز إرسال الرسل ، ولا يرد ما تقوى به لتوضيح السبل . والنقل : لا يأتي بما يناقض العقل ؛ وإنما يرد بما يزكى قضاياه ويصقل مرائي أحكامه أحسن صقل ، ونظير ما حصل للعقل بالشرع من الاستئناس ما حصل للكتاب من معاضدة السنة والإجماع والقياس « 1 » ، ولو ورد المنقول بما يناقض المعقول لأشبه فرعا يوجد ما له من أصول ، إذا أقبلت مواكب الأوامر الإلهية على لسان الرسول ، خضعت جماجم العقول ، منقادة بزمام الانقياد والقبول ، سامعة لما يرد منها مطيعة لما يصدر عنها ، فتارة يظهر للعقل ما للأوامر الشرعية من الحكم كنار على علم ، وتارة يعجز عن الاطلاع على ما تضمنته الأحكام النقلية من الحكم ، فإذا ورد الشرع بحكم وكان للعقل في حكمته إدراك ؛ آثره وأكده واستمسك به في تصرفاته أقوى استمساك ، وإن لم يكن له في إدراكه مدخل نادى بلسان العجز والتسليم ، سبحان من لا يسأل عما يفعل . والحاصل : أن سلطان العقول في ممالك خليفة الشرع وولايته معزول ، ومن جملة ما ورد على لسان السمع ، على لسان عدوك صاحب الشرع الصادق في المقال مما ليس للعقل فيه مجال أحوال المعاد ومبدؤها ما يطرأ على العباد في حد هذا الكون من الفساد .

--> ( 1 ) الإجماع والقياس : هما من الأدلة الشرعية .